الشيخ محمد الصادقي

226

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فإن ذلك التدلي ووحيه لزامهما الرؤية المعرفية القمة ، مهل كانت هناك رؤية أخرى حين النزلة عن الأولى ، عنده سدرة المنتهى ، أو كان في هذه الأخرى وحي آخر علّه أدنى من الأول ، أم ماذا ؟ . . . ولماذا الفؤاد هنا في موقف أعلى مدارج المعرفة ، لا القلب ، أو الصدر ، أو الروح ، فما هو الفؤاد ؟ . الفؤاد هو القلب المتفئد : المتوقد ، وهو وسط القلب ولبّه ، ولأنه صلى الله عليه وآله رأى ربه في مقام التدلّي : بقلب متوقد بوقود المعرفة ، ملتهب بلهيب الشوق والايمان ، وبلبابه ، لذلك يذكر هنا الفؤاد ، انه ما كذب ما رآه ، فمهما أخطأ البصر في مبصره ، أو بصيرة الاحساس والفهم والعقل والصدر والقلب في مبصراتها المناسبة لها ، ولكنما اللباب من القلب الملتهب المحمدي ، الهائم الشغف في الوصال ، إنه لا يكذب ، فهذه الرؤية لا تقبل الممارات والمحاجة . « أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » 12 هل لكم أن تحاجوه فيما يرى ببصره ؟ فكذلك وأحرى لا تماروه فيما يرى ببصيرته ، بلب قلبه الملتهب « 1 » « وَلَقَدْ رَآهُ » ، ربَّه هكذا أو أدنى « نَزْلَةً أُخْرى » . . . ومما نستوحي من « رأى » مرتين و « يَرى » أنه حصلت له الرؤية المعراجية مرتان في معراجيه ، ثم هو كان يرى ربه طوال رسالته ، فان « يَرى » توحي بالاستمرار دون « رأى » والفرق بين الرؤيتين : المعرفيتين ، أن المعراجية منهما مزوَّدة بزاد التدلي ، الذي هو تخلٍّ عن كل شيء ، وتغافل حتى عن نفسه فضلًا عمن سواه ، إلا اللَّه واللَّه فقط . إن صاحب المعراج رأى ربه هناك بنور اليقين ، وعلى حدّ المروي عنه صلى الله عليه وآله : « لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين » جواباً عن سؤال : هل رأيت ربك ؟ ثم تلا « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » « 2 » وقال :

--> ( 1 ) . التوحيد للصدوق باسناده إلى محمد بن الفضيل قال : سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ربه‌عزوجل ؟ فقال : نعم بقلبه رآه ، أما سمعت اللَّه عز وجل يقول : « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى » ، لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد ( 2 ) . الدر المنثور 6 : 124 - أخرجه جماعة عن كعب القرظي : عن بعض الأصحاب عنه صلى الله عليه وآله .